أحمد بن علي القلقشندي
59
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الثانية فيصير الخراج منسوبا للسنة السابقة ، واستحقاقه في السنة اللاحقة ، فيحتاج حينئذ إلى تحويل السّنة الخراجيّة السابقة إلى التي بعدها على ما سيأتي ذكره . قال في « موادّ البيان » ( 1 ) : والسبب في انفراج ما بين السنين الشمسية والهلاليّة أنّ أيّام السنة الشمسية هي المدّة التي تقطع الشمس الفلك فيها دفعة واحدة ، وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم بالتقريب حسب ما توجبه حركتها ، وأيّام السنة الهلاليّة هي المدّة التي يقطع القمر الفلك فيها اثنتي عشرة دفعة ، وهي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وسدس يوم ؛ فيكون التفاوت بينهما أحد عشر يوما وسدس يوم ، فتكون زيادة السنين الشمسية على السنين الهلالية في كل ثلاث سنين شهرا واحدا وثلاثة أيام ونصف يوم تقريبا ، وفي كل ثلاث وثلاثين سنة سنة بالتقريب ؛ فإذا تمادى الزمان تفاوت ما بين السنين تفاوتا قبيحا ( 2 ) ، فيرى السلطان عند ذلك أن تنقل السنة الشمسية إلى السنة الهلاليّة بالاسم دون الحقيقة توفيقا بينهما ، وإزالة للشبهة في أمرهما ؛ ومتى أو عز بذلك لم يقف على الغرض فيه إلا الخاصّة دون العامّة ؛ و [ ربما أسرع ] إلى ظنّ المعاملين وأرباب الخراج والأملاك أنّ ذلك عائد عليهم بظلم وحيف ، وإلى ظنّ مستحقّي الإقطاع أنه منتقص لهم ، ونسبوا الجور إلى السلطان بسبب ذلك وشنّعوا عليه ، فرسم بلغاء الكتّاب في هذا المعنى رسوما تعود بتفهيم الغبيّ ، وتبصير العميّ ، وتوصل المعنى المراد إلى الكافّة إيصالا يتساوون في تصديقه وتيقّنه ، ولا تتوجّه عليهم شبهة ولا شكّ فيه . قلت : وقد ذكر أبو هلال العسكري في « الأوائل » أنّ أوّل من أخّر النّيروز المتوكَّل على اللَّه ، أحد خلفاء بني العبّاس ، وذلك أنه بينما هو يطوف في متصيّد له
--> ( 1 ) كتاب « مواد البيان » لعلي بن خلف . وقد ذكره صاحب « كشف الظنون » باسم « موارد البيان » - . كشف الظنون : 2 / 1888 . ( 2 ) أضاف القلقشندي في مآثر الإنافة : 3 / 222 « حتى يكون كل ثلاثمائة سنة شمسية ثلاثمائة وتسع سنين هلالية ، وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى : ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً - سورة الكهف : الآية 25 .